الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

183

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

جانبا مهما من حياة إبراهيم ( عليه السلام ) ومواجهته لعبدة الأصنام ، فتقول أولا : ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين . " الرشد " في الأصل بمعنى السير إلى المقصد والغاية ، ومن الممكن أن يكون هنا إشارة إلى حقيقة التوحيد ، وأن إبراهيم عرفها واطلع عليها منذ سني الطفولة . وقد يكون إشارة إلى كل خير وصلاح بمعنى الكلمة الواسع . والتعبير ب‍ من قبل إشارة إلى ما قبل موسى وهارون ( عليهما السلام ) . وجملة وكنا به عالمين إشارة إلى مؤهلات وإستعدادات إبراهيم لاكتساب هذه المواهب ، وفي الحقيقة إن الله سبحانه لا يهب موهبة عبثا وبلا حكمة ، فإن هذه المؤهلات استعداد لتقبل المواهب الإلهية ، وإن كان مقام النبوة مقاما موهوبا . ثم أشارت إلى أحد أهم مناهج إبراهيم ( عليه السلام ) ، فقالت : إن رشد إبراهيم قد بان عندما قال لأبيه وقومه - وهو إشارة إلى عمه آزر ، لأن العرب تسمي العم أبا - ما هذه التماثيل التي تعبدونها ؟ إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون . لقد حقر إبراهيم ( عليه السلام ) الأصنام التي كان لها قدسية في نظر هؤلاء بتعبير ما هذه ( 1 ) أولا ، وثانيا بتعبير التماثيل لأن التمثال يعني الصورة أو المجسمة التي لا روح لها . ويقول تاريخ عبادة الأصنام : إن هذه المجسمات والصور كانت في البداية ذكرى للأنبياء والعلماء ، إلا أنها اكتسبت قدسية وأصبحت آلهة معبودة بمضي الزمان . وجملة أنتم لها عاكفون بملاحظة معنى " العكوف " الذي يعني الملازمة المقترنة بالاحترام ، توحي بأن أولئك كانوا يحبون الأصنام ، ويطأطئون رؤوسهم

--> 1 - إن التعبير ب‍ ( ما ) في مثل هذه الموارد يشير عادة إلى غير العاقل ، واسم الإشارة القريب أيضا يعطي معنى التحقير أيضا ، وإلا كان المناسب الإشارة إلى البعيد .